الإضاءة الوامضة والطيور: لماذا يُعتبر استقرار الإضاءة أمراً بالغ الأهمية
تعتمد المنازل العصرية ومزارع الدواجن اليوم على مصابيح LED أو الفلورسنت بشكل أساسي. لكن هل تعلم أن كثيراً من هذه المصابيح تُصدر وميضاً سريعاً لا تلتقطه أعيننا البشرية، بينما تراه الطيور بوضوح؟ سواء كنت تربي ببغاءً في صالة منزلك أو دجاجاً في الحظيرة، فإن هذا الوميض الخفي قد يُسبب إجهاداً حقيقياً لطيورك، ويؤثر سلباً على صحتها وسلوكها بل وإنتاجيتها أيضاً. (ScienceDirect)
في هذا المقال، نستعرض ما توصل إليه العلم حول تأثير الوميض على الطيور، ونقدم نصائح عملية لمربي الطيور المنزلية ومحترفي تربية الدواجن على حد سواء.
لماذا ترى الطيور ما لا نراه نحن؟

الحقيقة أن الطيور تُدرك العالم بسرعة أكبر بكثير مما ندركه نحن البشر. فأعينها وأدمغتها قادرة على رصد التغيرات السريعة جداً في شدة الإضاءة - وهو ما يُطلق عليه العلماء مصطلح تردد الاندماج الحرج للوميض (CFF).
- أظهرت الدراسات على الدجاج أن متوسط قيم CFF لديها يتراوح حول 75-87 هرتز في الإضاءة الساطعة. (ScienceDirect)
- بشكل عام، تتراوح قيم CFF المسجلة لدى الدواجن بين 20 و119 هرتز تقريباً، وذلك حسب النوع ومستوى الإضاءة. (Lohmann Breeders)
- أما بعض الطيور البرية كالطيور المغردة الصغيرة والجوارح، فيمكنها رصد الوميض عند ترددات أعلى بكثير من 100 هرتز، بل قد تصل إلى 129-145 هرتز في بعض الأنواع. (once.lighting)
المشكلة أن معظم المصابيح الاصطناعية التي تعمل بالكهرباء المنزلية تومض عند 100-120 هرتز (ضعف تردد التيار الكهربائي 50/60 هرتز)، أو تستخدم دوائر LED تُعدّل شدة الضوء عند مئات الهرتزات. قد تبدو هذه الإضاءة ثابتة تماماً لأعيننا، لكنها تظل مرئية للطيور، خاصة في الإضاءة القوية. (ScienceDirect) والجدير بالذكر أنه حتى لو بدا الضوء ثابتاً لنا، فإن الوميض غير المرئي قد يُسبب صداعاً وإجهاداً للعين لدى البشر أيضاً، رغم أن هذا خارج نطاق حديثنا هنا.
باختصار: المصباح الذي تراه "مثالياً" قد يكون مصدر إزعاج حقيقي - خفيفاً أو شديداً - لببغائك أو قطيع دجاجك.
كيف يؤثر الوميض على صحة الطيور ورفاهيتها؟
الإجهاد والتأثيرات الفسيولوجية
كشفت دراسة على طيور الزرزور الأوروبي المحفوظة تحت إضاءة فلورسنت عادية (وميض 100 هرتز) عن علامات سلوكية واضحة تدل على الإجهاد وتراجع مستوى الرفاهية، مقارنة بطيور أخرى عاشت تحت إضاءة عالية التردد. (ScienceDirect)
وفي حظائر الدواجن، ربطت دراسات عديدة بين الوميض الإشكالي وبين:
- ارتفاع مؤشرات الإجهاد
- تباطؤ النمو أو ضعف كفاءة تحويل العلف
- انخفاض إنتاج البيض لدى الدجاج البياض
- ارتفاع معدلات النفوق في بعض الحالات (farmingfuturefood.com)
على الجانب الآخر، أدى التحول إلى إضاءة LED خالية من الوميض أو ذات تردد عالٍ جداً إلى تحسن ملحوظ في النمو واستقرار السلوك، بل وتحسن إنتاج البيض وانخفاض النفوق في بعض الحالات. (farmingfuturefood.com)
صحيح أن معظم البيانات مستمدة من دراسات على الدجاج والديك الرومي، لكن المبدأ الأساسي ينطبق على جميع الطيور: التعرض المستمر لبيئة "متلألئة" يُشكل ضغطاً مزمناً على أي طائر قادر على رؤية هذا الوميض.
إجهاد العين والإرهاق البصري
بما أن الطيور تعتمد اعتماداً كبيراً على حاسة البصر - في الطيران والبحث عن الطعام والتفاعل الاجتماعي - فإن الإضاءة غير المستقرة قد تُسهم في إجهاد العين والإرهاق البصري. وقد ربطت مراجعات علمية حول الوميض لدى الحيوانات والبشر بين الوميض الإشكالي وبين الصداع وعدم الراحة البصرية وتراجع الأداء. (PMC)
من المنطقي إذن أن نفترض حدوث تأثيرات مماثلة على الببغاوات والعصافير وغيرها من الطيور المنزلية عندما تُحفظ تحت إضاءة تومض ضمن النطاق المرئي لها.
التغيرات السلوكية التي قد تلاحظها

قد لا يرى المربون والمزارعون الوميض بأعينهم، لكنهم غالباً ما يلاحظون السلوكيات الناتجة عنه.
ربطت الأبحاث والتقارير الميدانية في مجال الدواجن بين الوميض الإشكالي وبين: (PMC)
- القلق وزيادة المشي أو رفرفة الأجنحة
- نوبات الذعر وسلوك القطيع "العصبي"
- نتف الريش، وفي الحالات الشديدة، أكل لحوم الأقران
- التكدس (تزاحم الطيور مما يؤدي لاختناق بعضها)
- تجنب مناطق معينة تحت مصابيح محددة
أما بالنسبة للطيور المنزلية، فرغم قلة الأبحاث الرسمية، إلا أن منظمات رعاية الطيور والأطباء البيطريين يحذرون من أن المصابيح الوامضة قد تُسهم في: (RSPCA)
- القلق أو الانزعاج داخل القفص أو غرفة الطيور
- قلة النوم و"الذعر الليلي"
- العدوانية غير المبررة أو الصراخ المفرط
- التردد في الجلوس أو اللعب تحت مصابيح معينة
بالطبع، قد تكون هناك عوامل أخرى وراء هذه العلامات، لكن إذا لاحظت مشاكل سلوكية غير مفسرة، فإن فحص الإضاءة - بما في ذلك الوميض - يُعد خطوة ذكية.
توصيات عملية لإضاءة الطيور المنزلية

1. ابتعد عن المصابيح الوامضة
تنصح RSPCA وغيرها من جهات الرعاية بوضوح بتجنب استخدام المصابيح الوامضة، لأن كثيراً من الطيور قادرة على رؤية الوميض الذي لا نراه نحن. (RSPCA)
خطوات عملية:
- اختر مصابيح LED عالية الجودة أو مصابيح فلورسنت بصابورة إلكترونية مصممة لتقليل الوميض.
- احذر من مصابيح LED الرخيصة أو التركيبات، خاصة القابلة للتعتيم، التي قد تستخدم تعديل عرض النبضة منخفض التردد (PWM).
- إذا كنت تستخدم أجهزة تعتيم، فاختر تلك التي تحافظ - مع المصابيح - على تردد وميض عالٍ جداً (مئات أو آلاف الهرتزات).
يشير خبراء الدواجن إلى أن الطيور قد تُدرك الوميض عند مؤشر وميض حوالي 6٪، ولذا يوصون عادة بإضاءة ذات مؤشر وميض أقل بكثير من ذلك. (Earlyfeed)
2. وفّر دورة طبيعية من النهار والليل
تعمل معظم الطيور المنزلية بشكل أفضل مع 10-12 ساعة من الضوء و10-12 ساعة من الظلام يومياً، لمحاكاة الدورات الضوئية الطبيعية. (BirdSupplies.com)
- استخدم مؤقتات لضمان إضاءة وإطفاء الأضواء في أوقات ثابتة.
- تجنب ترك التلفاز أو الشاشات الساطعة مضاءة في غرفة الطيور ليلاً.
- تأكد من أن فترة الظلام مظلمة فعلاً (أو خافتة جداً فقط)، حتى ينام الطائر بشكل سليم.
3. استخدم إضاءة الطيف الكامل والأشعة فوق البنفسجية المناسبة
يمكن لمصابيح الطيور ذات الطيف الكامل والأشعة فوق البنفسجية UVB أن تدعم تصنيع فيتامين D واستقلاب الكالسيوم والسلوك الطبيعي عند استخدامها بشكل صحيح. (azeah.com)

إرشادات:
- اختر مصابيح مصممة خصيصاً للطيور، من شركات موثوقة.
- التزم بتوصيات الشركة المصنعة بخصوص المسافة ومدة التعرض.
- وفّر دائماً مناطق ظل ومجاثم يمكن للطائر أن يبتعد فيها عن الضوء القوي.
- استبدل مصابيح الأشعة فوق البنفسجية حسب التوصيات؛ فناتج الأشعة فوق البنفسجية يتراجع مع الوقت حتى لو ظل المصباح "يبدو" ساطعاً.
ملاحظات خاصة بالدجاج والدواجن الأخرى
بالنسبة لقطعان الفناء الخلفي والمزارع التجارية، تُعد الإضاءة أداة مهمة للرعاية والإنتاجية معاً.
نقاط رئيسية من أبحاث الدواجن: (GANAL)
- يكتشف الدجاج عادة الوميض حتى 75-87 هرتز على الأقل.
- تقترح بعض الإرشادات التقنية استخدام أنظمة إضاءة بـ تردد لا يقل عن 120 هرتز، بينما تشير دراسات حديثة على الديك الرومي إلى أن 165 هرتز فما فوق لا يُسبب أي ضرر يمكن رصده على النمو أو الإجهاد.
- ارتبطت أنظمة LED الخالية من الوميض أو عالية التردد جداً بتحسن إنتاج البيض وانخفاض النفوق واستقرار السلوك لدى الدجاج البياض.

للقطعان الصغيرة:
- استخدم مصابيح LED زراعية عالية الجودة للدواجن أو مصابيح LED منزلية منخفضة الوميض جداً بدلاً من أنابيب الفلورسنت القديمة ذات الصابورة المغناطيسية.
- احرص على أن تكون الحظيرة ذات طول نهار ثابت وتغيير تدريجي في الإضاءة إن أمكن (محاكاة الفجر/الغسق)، لتقليل الذعر والتكدس.
- تحقق من أن المراوح أو الآلات المتحركة أو الأرضيات المشقوقة لا تخلق تأثيرات ستروبوسكوبية تحت الإضاءة المختارة.
كيف تفحص إضاءتك للتأكد من خلوها من الوميض؟
بما أن الوميض غير مرئي لمعظمنا، فإن القياس يصبح ضرورياً.
ما الذي يجب قياسه؟
عادة ما يميز مهندسو الإضاءة الوميض بـ: (nvclighting.se)
- تردد الوميض (هرتز) - عدد مرات تغير شدة الضوء في الثانية.
- نسبة أو مؤشر الوميض - مدى عمق التباين في شدة الضوء بين الحد الأدنى والأقصى.
تركز التوصيات الأمنية الموجهة للبشر (مثل IEEE 1789) بشكل أساسي على الناس، لكن القاعدة الجيدة للطيور هي: كلما ارتفع التردد وانخفضت نسبة/مؤشر الوميض، كان ذلك أفضل. (dial.de)
استخدام أدوات مثل تطبيق Flicker Meter

يستخدم تطبيق Flicker Meter الخاص بنا كاميرا هاتفك لتقدير تردد الوميض ونسبته في مصادر الضوء. يمكن أن يساعدك في:
- فحص المصابيح فوق أقفاص الطيور ومواقف اللعب ومغذيات الدواجن.
- مقارنة المصابيح أو التركيبات المختلفة قبل شراء المزيد.
- تحديد المصابيح "الإشكالية" التي قد تحتاج لاستبدالها ببديل منخفض الوميض.
رغم أن أجهزة قياس الوميض المخصصة تعطي نتائج أدق، إلا أن الأداة القائمة على الهاتف الذكي تُعد وسيلة ميسورة التكلفة ومتاحة لكثير من مربي الطيور والمزارعين الصغار لتقييم الوميض في بيئاتهم.
النقاط الرئيسية
- تستطيع كثير من الطيور، بما فيها الببغاوات والدجاج، رؤية الوميض عند ترددات تبدو ثابتة للبشر.
- يرتبط التعرض المزمن للضوء الوامض بالإجهاد والمشاكل السلوكية وتراجع الأداء في الدواجن، وتنصح منظمات الرعاية بتجنب المصابيح الوامضة للطيور المنزلية.
- استهدف إضاءة عالية التردد ومنخفضة الوميض، مع دورة ثابتة من النهار والليل وتعرض مناسب للطيف الكامل/الأشعة فوق البنفسجية UVB.
- يتيح قياس الوميض - باستخدام Flicker Meter على الهاتف الذكي أو الأجهزة المخصصة - لمربي الطيور ومحترفي الإضاءة التحقق من أن إضاءتهم مريحة فعلاً للطيور التي تعيش تحتها.
بتوفير إضاءة مستقرة وطبيعية الطيف وموقوتة بشكل جيد للطيور، فإننا لا ندعم رؤيتها فحسب، بل صحتها وسلوكها ونوعية حياتها بشكل عام.